من الحكمة المعروفة القول: " أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض"، فقد ربط الله تعالى قلوب العباد بحب أبنائهم وذرياتهم وجعلهم زينة الحياة الدنيا: { المال والبنون زينة الحياة الدنيا} الكهف (45). وهم هبة الله للإنسان: { يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور..} الشورى (49). وقد حث المصطفى عليه الصلاة والسلام المسلمين على اختيار الزوجة الولود بما يحقق تكاثر المسلمين وذرياتهم فيقول عليه الصلاة والسلام: (تزوجوا الولود الودود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة). ونعمة الأولاد ينشدها كل إنسان ويرجوها، والمسلمون هم أفضل من يقدر هذه النعمة ويسعى إليها كما كان عليه أنبياء الله ورسله... فهذا زكريا عليه السلام كان دعاؤه: {رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء} آل عمران (28)، ومن قبله كان دعاء الخليل إبراهيم عليه السلام حامداً ربه شاكراً أن وهبه الله الولد: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء} إبراهيم (39). والولد هو بشرى الله لمن يختار من عباده الصالحين، فقد بشر سبحانه السيدة مريم البتول بعيسى عليه السلام: {إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى بن مريم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين} آل عمران (45)، وبشرت الملائكة خليل الله إبراهيم عليه السلام بالولد: {قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم} الحجر (53). ومن فضل الله على عباده القانتين المستغفرين أن يفيض عليهم نعمة الرزق الوفير والذرية من البنين والبنات كما جاء في هدي نوح عليه السلام لقومه في قول الله تعالى: {وقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً . يرسل السماء عليكم مدراراً . ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً} نوح (10-12). ولما كانت سنة الله في عباده الابتلاء والامتحان وخصوصاً فيما يعتزون به ويتعلقون به فقد كان الأولاد كذلك محل الابتلاء والامتحان وخصوصاً مع حملة الدعوة ومبلغي رسالة الله تعالى. فقد ابتلى الله الخليل إبراهيم عليه السلام وامتحنه في ولده إسماعيل عليه السلام في الوقت الذي شعر فيه بحاجته إليه واستئناسه به فأوحى إليه أن يذبحه: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} الصافات (102) . وبفضل من الله ورحمته كانت نجاة إبراهيم عليه السلام من هذا الابتلاء الذي وصفه الحق سبحانه بقوله: {إن هذا لهو البلاء العظيم} فنجّا الله إسماعيل وأخرج أبيه إبراهيم عليهما السلام من هذا الامتحان صادقاً محتسباً فاستحق مدح الله له: {وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين}. وكما ابتلى الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام ابتلى نبيه أيوب عليه السلام بالكثير من الابتلاءات، وكان من أشدها ابتلاؤه في أولاده جميعاً حتى استجار بربه وتوجه إليه داعياً: {وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين . فاستجبنا له وكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين}، قال مجاهد: قيل لأيوب إن أهلك في الجنة فإن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، فقال: لا بل أتركهم في الجنة، فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا. فلعلنا بذلك ندرك نعمة الأولاد- زينة الحياة الدنيا بجانب نعمة المال والثراء- وإذا كان الناس قد أعطوا للمال جهدهم وعنايتهم، جمعاً، واكتنازاً، وحفظاً، وعناية؛ فإن نعمة الولد تستحق أيضاً الاهتمام والرعاية، فالحفاظ على الأولاد أمر حيوي وهام لا يقل عن أهمية الحفاظ والعناية بالأموال، بل إن الخسارة في الولد أشد ألماً من الخسارة في المال. إن إحسان التربية والحرص على التنشئه الصالحة للأولاد رصيد في الدنيا والآخرة، فهم في الدنيا لآبائهم وأمهاتهم عوناً بعد عون الله على مطالب الحياة، وعزاً يعتز به المربي ويفخر، لما يكون لهم من جهد في بناء الأمة وتقدم المجتمع والذود عن حياض المسلمين، ويوم القيامة يلحق الله تعالى الآباء بأبنائهم الصالحين: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرىء بما كسب رهين} الطور (21).
يقول ابن عباس رضي الله عنهما: إن الله يرفع ذريته في درجته وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه، ثم قرأ: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان... } الآية. وعن أبي حاتم سعيد إبن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {والذين آمنوا... } الآية .. قال: هم ذرية المؤمن، يموتون على الإيمان فإن كانت منازل أبنائهم أرفع من منازلهم ألحقوا بأبنائهم ولم يُنقصوا من أعمالهم التي عملوها شيئاً... وروى الحافظ الطبراني عن ابن عباس: أظنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده فيقال إنهم لم يبلغوا درجتك، فيقول ربي قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به، وقرأ ابن عباس: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان... } الآية.
ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام : (إن الله يرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يارب أنّى لي هذه ؟ فيقول عز وجل باستغفار ولدك لك).
وفي عصرنا الحاضر نلمس حاجة الأبناء للرعاية والاستقامة على دين الله وخصوصاً بعدما اجتاحت أمة الإسلام هذه التيارات الفاسدة والمهددات الخطيرة للقيم والمثل العليا مستهدفة شباب المسلمين وأبنائهم...
إن نعمة الولد تستقيم بالعمل على هدايته إلى طريق الخير والمعروف، وإعطاء المزيد من الاهتمام والرعاية من جانب الآباء والأمهات، فهم الاستثمار الحقيقي في الحياة الدنيا والزاد العظيم يوم نلقى الله سبحانه وتعالى.
((لاعبه سبعا وادبه سبعا وصاحبه سبع)) .......
بمعنى أن على الوالد ان يتدرج في معاملته لولده خلال مراحل حياته فيتركه يمرح ويسعد بطفولته حتى يكمل الولد سن السبع سنوات ... (وقد ثبت بالفعل أن الطفل لا يصل إلى مرحلة التمييز إلا عند الثامنة من عمره)