كنا ولا نزال ونحن نقرأ في الأطروحات الثقافية العربية والإسلامية , بل والعلمية حتى ؛ لا نعدم أن نلحظ تكرار تناوُل ما يصطلح المتحدثين فيه على ( الشرق والغرب ) , بالملاحظة والدراسة ؛ تناولا لهذين المكانين من زوايا غير جغرافية كما يظهر من المسمى , بل على العكس , يختص التناول بالأبعاد الإجتماعية أو الدينية أو القيمية والإنسانية عموما .
بالرغم من أن المتحدثين دائما ما يرجعون منهجيتهم في الجمع أو المقارنة أو مجرد الدراسة المفردة لكل من الشرق والغرب , إلى هدف تبيين واقع البعد أو القرب من الوعي الإسلامي ؛ إلا أننا حين نطلع على تلك الدراسات , ونقرأ تلك الملاحظات ؛ سرعان ما تتضح لنا ملامح الانحياز الشرقي أو الخطأ في الوعي , على حساب الالتفاف حول الفكر الإسلامي الحقيقي , فضلا عن الإنصاف لواقع الغربي .
و سواء كان الواقع المقصود معاصرا أو تاريخ ماضٍ ؛ وبغض النظر عن طبيعة هذا الواقع هل هي اجتماعية أو أسرية أو علمية أو دينية أو غيرها ؛ فبالرغم من التنوع الموضوعي والتاريخي , لذلك الواقع المدروس , إلا أن كثير من المنهجيات والطرق لملاحظته ودراسته متشابهة , مائلة عن الهدف التي تعلن أنها سائرة إليه .
بطبيعة الحال , وصف نماذج غير محددة , يفقد الملاحظة دقتها ووضوحها ؛ كما أن تعميم الملاحظة على الدراسات دون قصد نماذج بعينها ؛ هو تعميم سطحي وبعيد عن الصحة في طريقته ونتائجه . ومن هنا سأدع النماذج المتعددة التي تنطبق عليها الملاحظة لذاكرة القارئ وقياسه , ليحدد إن مرت عليه كما مرت علي أو لا ؛ وسأتناول نموذج واحد بشيء من التفصيل , هو قابل للمقارنة بالنماذج المتعددة التي مرت بي , وأظن بينها تشابه يتيح تعميم الملاحظة .
كان كتاب ( ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ) لأبي الحسن الندوي , يسرد بثراء أمثلة تصف وتبين أحوال الأمم شعوبا وأفرادا وحكاما , وعلاقاتهم فيما بينهم ؛ من النواحي الدينية والاجتماعية والأخلاقية ؛ وفي مرحلة الجاهلية إلى الإسلام إلى ما بعد السيادة الإسلامية ؛ وكانت قراءته للشرق والغرب محايدة منصفة , مما دفعه إلى تبيين الأخطاء والصوابات لدى الأمتين دون مواربة ؛ لكن النتيجة والحكم النهائي لهذه التبيينات الذي لم يكن قد انحاز إلى الشرق لم يكن قد أنصف الغرب أيضا , مما يدل على انحياز غير مباشر , أو ميل عن الفكرة الإسلامية إلى أخرى !!
نعم إن اختيار أمثلة من السلبيات والإيجابيات , هو ما يمنح الرؤية تكاملا واقعيا , يفترض أن يساعد على صحة الحكم , وإنصاف في النتيجة ؛ لكن غياب الوعي الذي نستشفه من المثال الإسلامي هو ما دفع إلى غياب الإنصاف في النتيجة , و بقاء الأخطاء العربية الحديثة المتطورة عن الجاهلية الأولى , ومنها التزكية للذات والتعصب لها والتحفظ على خصوصياتها ومنتجاتها العقلية والفكرية عن أن يضاف إليها من غيرها , أو تُنقد , أو حتى يُبنى عليها فتظهر هي ذاتها بصور معدّلة .
ذلكم هو الواقع الشرقي أمام المثال الإسلامي الذي أوقفنا على قراره بأن لا يحابى شرقا ولا غربا , ولا عرقا وأمة دون أمة , في نسبة وجود المبادئ والقيم لديه , المميزة له عن غيره ؛ والوصف بالالتزام بمبادئه وقيمه , فضلا عن منحه الاستحقاق لدرجة القيادة حين يتمثل شروطها ؛ بدليل نزول الرسالة الخاتمة على الشرق/العرب لأسباب محددة في حينها , هي وجود المبادئ الأرقى , والأقرب لتقبل الدين وحمل رسالته ؛ في نفس الوقت الذي جفا فيه الأمة الإسرائيلية التي أصيبت بالغرور في عهدها الأخير . كما أنه هو الذي ابتدأ الرسالة بـ ( اقــرأ ) وجاء بمعنى الحث على تقدير العلم , والاطلاع على مصادره في كل بقعة , ومن كل شعب وأمة ؛ وإعمال العقل والنظر , بالتدبر والتفقه والتأمل ؛ والتي تدعم سعة في فهم النصوص الثابتة والأصول , وخروجا عن تعميم الصور الخاصة بزمان أو مكان ؛ ومناسبة لكثير من المتغيرات الظرفية , ومرونة في تقبل الاختلافات الإنسانية .
نقَدَ الكاتب الواقع والتاريخ المعاصر العربي الإسلامي وأقر بانحطاطه , وذكر وأشاد بالغربي القائد وأقر بنهضته ؛ فالشرق هم جزء من أولئك الذين تحدث عنهم بأنهم حملوا أخطاء قاتلة دفعتهم للانحطاط ؛ ليحل محلهم الغرب في القيادة الإنسانية ؛ ورأي الندوي هنالك أن الإنسانية شقيت وتعست بهذا الحلول , والذي يرجعه لسببين : الانحطاط عند المسلمين أولا ؛ واليقظة الغربية ثانيا ؛ يقظة تترأسها يقظة العلم والبحث , والتقبل من الدين المسيحي هنالك لفورة العلم , والتحاور والتجاور بينهما , وإن وجدت حرب بين الدين والكنيسة في أحوال أخرى .
والندوي حين يشيد بتفوق الغرب ووعيه بالعلم واعتداده بالعقل , لا يشيد بهذه الخطوة كونها جزءاً من الدين , وهي جزء جليٌّ منه , ليس فقط لأن الدين يحث على العلم وإعمال العقل والذي لو بنا عليه الغرب لوحده علمه لكان جديرا منا بالإشادة والاستفادة ؛ بل مَن مِن النقاد والدارسين يقدم على ملاحظة أثر العلوم التي تأسست دينيا ـ وليس بالعقل المجرد ـ أثرها على المعرفة الغربية ؛ التي بعد هذا التأسس وصلت للغرب وبنى عليها , فكانت مقدمات الكثير منها قد نشأت في عصر الازدهار الإسلامي ؛ وأعني الأثر النسبي , والفرق بين حال الغرب من قبل هذا العلم ومن بعده , ورقيه بسببها علميا وقيميا بالنسبة لأمة لا تقر بالدين ؛ تلك القيمية التي ـ حين نتأملها ـ ستوصلنا إلى الإقرار بالمستوى الجيد للعلم الذي بُنِيَ بطريقة أو بأخرى على ديننا ؛ وتغلغلت فيه بدرجة أو أخرى , بعض مبادئ هذا الدين وقيمه .
ثم هل ظهر أثر الدين النسبي علينا كعرب مسلمين في الحركة العلمية واليقظة الفكرية ؟ , أم لازلنا محاصرين بأخطائنا التي لم نخرج بعد منها ؟! ماذا يمكن أن نقول مع استمرار التحفظ على الآراء والأفكار العلمية الشرقية التي ظهرت في مراحل السيادة العلمية لنا أو التي لا نزال نصل إليها باجتهاداتنا الخاصة , فنعدها المسلّمات , ونزعمها المأسلمات ؛ حتى نتورع عن مناقشة الإضافات ووجهات النظر الأخرى عليها , أو نتائج الغير أثناء تناولهم القضايا التي تتناولها ؛ واستخدامها باسم ارتباطها بالإسلام , ماهو إلا ضرب من مواجهة الإسلام الذي يحث على العلم والانفتاح عليه , متخذة من ذلك الطريقة المثلى والمفضّلة في نبذ الحكمة الغربية ـ حين توجد ـ بسبب صفة غربيتها بالنسبة للشرق , وليست غربتها عن الدين الحق !!
مما سبق , نجد أن الواقعية تقتضي تقديم أمثلة وصور غير مسبوقة بالأحكام , التي قد تحرفنا عن الهدف ؛ كما أن الوعي عامل أهم وأصعب , لدرجة أننا نمتلكه بالتمسك بمنهجية الدين الإسلامي الراقي , وننأى عن الكثير من العوامل الأخرى التي نستجدي أن تحل محلها دون جدوى . ومؤلّف ومؤلّف مميز ودارس دقيق وموضوعي , انتهى بنتائج جيدة في كثير من مزاياها , ستقل جودة نتائجه و ينقصها الوعي إذا لم تتوسل بالإسلامي منه , والإسلامي فقط !